ما الذي يجعل من اسم عبدالحليم حافظ، بعد كل هذه السنوات على غيابه، أشبه بكلمة السر التي تفتح بوابات ا
كتبهاasmaa ، في 2 يونيو 2006 الساعة: 19:50 م
ما الذي يجعل من اسم عبدالحليم حافظ، بعد كل هذه السنوات على غيابه، أشبه بكلمة السر التي تفتح بوابات القلوب الشابة. والأقل شباباً؟ وما الذي يجعل من صورة سعاد حسني مفتاحاً يدور في كل الأبواب، وعلامة للفرح والشجن والأسى الغامر؟ هل هي عادة الشعوب المختلفة في ابتداع أساطيرها الخاصة، والحفاظ عليها مثل التمائم والخرزات الواقية من الشرور، والتذكارات التي تمتد من الماضي لتقيم جسوراً نحو المستقبل..؟
في الفيلم الذي قام بتمثيله الفنان أحمد زكي، قبل رحيله، وارتدى فيه شخصية عبدالحليم، و"باروكته"، هناك إشارة سريعة إلى قصة الحب التي ربطت بين العندليب وسندريلا الشاشة سعاد حسني. لكن هالة النجومية وحشود المعجبين والمعجبات أفسدا طبخة الزواج، أم أن هناك ما جعلها تفسد من الداخل؟
يروي الصحافي الفلسطيني، الْمُطّلع على الأسرار، ناصر النشاشيبي، أن سعاد حسني كانت تحلق في أجواء النجاح والشهرة وحب الجماهير، ولم تعبأ بالعندليب، ولا تكن له عاطفة صادقة، إنما كانت تسايره لأنه صاحب سطوة لدى أصحاب القرار، ويرتبط بصداقات وثيقة مع كبار الصحافيين الفنيين الذين يمسكون بالمجلات، التي تتحكم في شهرة الفنان، فإما أن تذيعها أو تحجبها.
كلام النشاشيبي يُوجع قلوب المعجبين بالسندريلا وبالعندليب. لكن فيلم "حليم" يؤكد أن المرأة الوحيدة التي أحبها المطرب، هي فتاة من أُسرة أرستقراطية لا علاقة لها بالفن، تُدعى جيهان العلايلي، وقد فارقت الحياة في عز الشباب.
حليم أيضاً غاب قبل أن تشبع منه دنياه. ولما مات بكته أعين ملايين النساء. فقد كان يجمع في شخصيته كل تلك الصفات، التي تستثير مشاعر الأمومة والحنان لدى المرأة: اليُتم، والمرض، والشرود، والروح الرقيقة، المعذبة بحب لا يقف على ساقين حقيقيتين، بل يحلق في سماء الرومانسية.
لذلك، طار العندليب وظلت أسطورته مقيمة بيننا، بل تحولت إلى منجم يغرف منه آخرون. فهناك مطربون بنوا عروشهم على بقايا صوته، وفنانون يكررون أغنياته، وأفلام تتردد فيها أصداء ألحانه، وصحافيون يزعمون أنهم كانوا الأقرب إليه، ويحملون هذا الزعم بطاقة تعريف يتسللون بها إلى الصفحات الفنية.
أنا لم أكن تماماً من حزب حليم، لكنني من مريدي السندريلا، سابقاً ولاحقاً· لذلك أقول إنّ عبدالحليم كان محاطاً بالكثيرين، لكنه مات وحيداً، مثلما سقطت سعاد من شرفة الموت في لندن، أو تساقطت. إن المشاهير ومن يتذوقون لذة حب الملايين، لا يستطيعون احتمال فكرة المرض، أو التقدم في السن، أو الترهل، أو المضي في حياة لا يؤنسها زوج ولا ولد. ما قيمة أن يهتف لك الجميع وتصفق لك ملايين الأكف. بينما لا تجد إنساناً واحداً يرتبط بك من دون فكاك، ويلم شظاياك في أواخر الليالي؟
قفز حليم في ترعة "البلهارسيا" وضرب كبده العطب. وقفزت سعاد في هوّة الخلاص من العيش في الضباب، بعيداً عن المدن المشمسة التي تعرفها وتحبها وتلهج باسمها. ولهذا لايزال اسم كل منهما حاضراً· فقد مضيا، وهما في نصف الطريق، مثل أنور وجدي وأسمهان ونعيمة عاكف ومحمد فوزي، ومثل جيمس دين ومارلين مونرو عند الأجانب.
ولعلّ أكثر ما يجعل من فيلم "حليم" مؤثراً في المشاهدين، هو أن بطله، الأسطورة الثالثة أحمد زكي، كان يؤدي دوره وهو يعرف أنه الأخير، وأنها الأيام الأخيرة. ولهذا فلم يحاول أن يُقلِّد العندليب، بل أدى شخصية ذلك الفنان الذي غافله المرض، وهو في الأوج، فإذا به مُجبر على مغادرة المسرح قبل موعد نزول الستارة.
لا أحد يعرف ساعة موته. لكن فناناً من وزن أولئك الأهرامات الثلاثة، يعرف مسبقاً أنه سيغادر المسرح ليقيم في الحنايا، وأن المذياع والتلفزيون والشاشة والجوّال والحاسوب، ستظل تردد صوته وتعكس صورته لسنوات كثيرة تالية. هذا هو الانتقام الصغير من رهبة الموت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ثقافة وفن | السمات:ثقافة وفن
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























